سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

52

رسائل في الفلسفة والعرفان

التركيب ، فليس للمقيّد في ذاته استقلال ، بل هو في اعتباره مستند إلى كلٍّ من الذات والقيد ، بل اعتباره عين اعتبارهما ، بخلاف كلٍّ منهما . ولنضرب لك الأمثال ؛ كيلا يلتبس [ 1 ] عليك المقال ، فانظر فيما بين يديك من البيت المركّب من الأضلاع الأربعة ، فإنّ كلّ ضلع لو بني بدون انضمام بقيّة الأضلاع إليه لكان قائماً بذاته موجوداً ، وكذلك أجزاء الضلع المركّب هو منها كالأحجار والجصّ مثلًا ، فإنّ كلّ واحد منهما بدون أن يُركّب مع الآخر موجود في ذاته ، لا يحتاج إلى تركّبه مع الآخر ، وكذا الجصّ أو الحجر بالنسبة إلى أجزائه التي بها قوامه ، ولكن ليس للبيت وجود إلّابالأضلاع الأربعة ، ولا للضلع إلّابالحجر والجصّ - مثلًا - ولا للجصّ بدون ما يقوّمه ، فإذا وجد كلٌّ من الأجزاء منضّماً إلى الآخر فهو المركّب ، فليس المركّب إلّاالأجزاء مع هيئة اعتبارية لتلك الأجزاء ، بل ليس المركّب إلّاهذه الهيئة الاعتباريّة ؛ أي فيكون اعتباراً من اعتبارات الأجزاء ، ووجودها هو وجوده ، لكن بقيد الانضمام على وجه خاصّ ، فافهم . ومثل هذا يقال في الأمور المعقولة ، كالعقول والنفوس ، فإنّها ذوات منضمّة إلى مبدأ التمايز بينها وبين غيرها ، فأنت إذا نظرت إلى مطلق الذات وجدت ثبوته في ذاته ؛ أي بقطع النظر عن كونه عقلًا أو نفساً ، وكذا مبدأ التمايز لا يتوقّف ثبوته في ذاته على كونه لعقل أو نفس ؛ أي يصحّ النظر إليه في ذاته بالنسبة [ 2 ] إلى العقل أو النفس ، بخلاف العقل أو النفس ، فليس يصحّ اعتباره وجوداً إلّابوجود كلٍّ من الذات ومبدأ الامتياز ، وليس يصحّ لك أن تقول : يجوز أن يكون مبدأ الامتياز هو الذات المطلقة ، فإنّ هذا يُنافي التقييد بالقيد الخاصّ ؛ إذ المطلق لا يقتضي لذاته قيداً معيّناً لاستواء القيود بالنسبة إليه ، فلابدّ من انضمام شيء إليه حتّى يتميّز بالمميّز الخاصّ ، وذلك معلوم . فقد علمت أنّ كلّ مقيّد فهو محتاج إلى المطلق والقيد ، فهو معدوم في ذاته ،

--> [ 1 ] في الأصل : « يلبس » ، وفي بعض النسخ : « يلبث » ، والصحيح ما أثبتناه . [ 2 ] في الأصل : « في ذاته بالنظر لنسبة إلي » ، والصحيح ما أثبتناه .